الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

248

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والاستفهام إنكاري . والنصر : إعانة المقاوم لضدّ أو عدوّ ، وضمن معنى الإنجاء فعدّي ب ( من ) أي من يخلصني ، أي ينجيني من اللّه ، أي من عقابه ، لأن طردهم إهانة تؤذيهم بلا موجب معتبر عند اللّه ، واللّه لا يحب إهانة أوليائه . وفرع على ذلك إنكارا على قومه في إهمالهم التذكر ، أي التأمل في الدلائل ومدلولاتها ، والأسباب ومسبّباتها . وقرأ الجمهور تَذَكَّرُونَ - بتشديد الذال - . وأصل تَذَكَّرُونَ ، تتذكرون فأبدلت التاء ذالا وأدغمت في الذّال . وقرأه حفص « تذكرون » بتخفيف الذّال وبحذف إحدى التاءين . والتذكر تقدم عند قوله : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا في آخر سورة الأعراف [ 201 ] . [ 31 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 31 ] وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 31 ) هذا تفصيل لما ردّ به مقالة قومه إجمالا ، فهم استدلوا على نفي نبوّته بأنهم لم يروا له فضلا عليهم ، فجاء هو في جوابهم بالقول بالموجب أنه لم يدع فضلا غير الوحي إليه كما حكى اللّه عن أنبيائه - عليهم السّلام - في قوله : قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ إبراهيم : 11 ] ، ولذلك نفى أن يكون قد ادّعى غير ذلك . واقتصر على بعض ما يتوهّمونه من لوازم النبوءة وهو أن يكون أغنى منهم ، أو أن يعلم الأمور الغائبة . والقول بمعنى الدعوى ، وإنما نفى ذلك بصيغة المضارع للدّلالة على أنّه منتف عنه ذلك في الحال ، فأما انتفاؤه في الماضي فمعلوم لديهم حيث لم يقله ، أي لا تظنوا أني مضمر ادّعاء ذلك وإن لم أقله . والخزائن : جمع خزانة - بكسر الخاء - وهي بيت أو مشكاة كبيرة يجعل لها باب ، وذلك لخزن المال أو الطعام ، أي حفظه من الضياع . وذكر الخزائن هنا استعارة مكنية ؛ شبهت النعم والأشياء النافعة بالأموال النفيسة التي تدخر في الخزائن ، ورمز إلى ذلك بذكر ما هو من روادف المشبّه به وهو الخزائن . وإضافة خَزائِنُ إلى اللَّهِ لاختصاص اللّه بها .